سياسة

«الكواد كابتر» تثير الذعر بين الغزيين النازحين

طلقات الرصاص تزمجر في أرجاء المخيم، الجميع أسرع في الهروب إلى داخل خيامهم متخذين الأرض ساتراً لهم، تلاها صوت ضحكات ساخرة، وفي الليل تتنوع الأصوات ما بين بكاء طفل رضيع أو صراخ آخر، وفي أحيانٍ أخرى يطغى صوت آليات الاحتلال الإسرائيلي المجنزرة تقترب من المكان.

هذا ما يواجهه النازحون في مخيم الصمود بمنطقة الشيخ رضوان ومعظم أرجاء قطاع غزة. يقول أبو أحمد (38 عاماً) «بالأمس باغتتنا طائرة مسيرة أو ما تعرف بالكواد كابتر، وأطلقت نيرانها على المخيم، ما أصاب النازحين بالذعر ودفعهم للهرب بسرعة البرق داخل الخيام علها تحميهم من الرصاص الذي يمكن أن يخترقها ويصيب أي من المواطنين لعدم توافر جدار يحميهم من تلك الطلقات».

ويصف أبو أحمد في حديث إلى «الأخبار» طائرات «الكواد كابتر» بـ«الوحش المخيف للغزيين خاصة الأطفال، فصوت نباح الكلاب وصريخ الأطفال، عاملُ إزعاج وخوف وقلق للأهالي، فضلاً عن أن «إطلاق النار يكون عشوائياً، وبالتالي يمكن أن تصيبك الرصاصة أو القنبلة دون أن تدري».

وتتميز الطائرة المسيرة رباعية المراوح «الكواد كابتر» بصغر حجمها وخفة وزنها وسهولة حركتها والتنقل بين المباني السكنية والشوارع الضيقة، ويتم تسييرها إلكترونياً عن بُعد، ويجري استخدامها من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي بعمليات استخبارية وعسكرية وفي الحرب النفسية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، ببث الدعوات الخاصة بالنزوح، أو نباح الكلاب وصراخ الأطفال والنساء.

بكاء الأطفال «يخدعنا»

وقال سهيل زقوت (62 عاماً)، الذي اضطر للنزوح إلى المخيم بعدما دمر الاحتلال الإسرائيلي عمارته السكنية، معاناته مع المسيرة رباعية المراوح، إنَ «قبل أسبوعين كنا نجلس أمام خيامنا هرباً من حرارة الخيمة، وإذا بطائرة مسيرة تطلق حممها المدمرة اتجاه المخيم وتستهدف خزانات المياه، في محاولة منهم لقطع أهم مقوم في حياة الإنسان».

وأضاف: «عندما سمعنا أصوات بكاء الطفل خرجنا نبحث عن مصدر الصوت وإذا بها تطلق علينا النيران لنسارع في الاحتماء منها داخل خيامنا».

أما نائل أبو نايف (38 عاماً) فقد عبّر عن حزنه الشديد جراء الخوف والرعب الذي أصاب زوجته وأطفاله نتيجة تلك الأصوات وإطلاق النار العشوائي، وقال لـ«الأخبار» إنّه «بعدما كان الليل مصدر السكون والراحة، أصبح الآن مصدراً للخوف والقلق وعدم النوم وعدم الراحة خشيةً من أي استهداف أو رصاص فضلاً عن صوت نباح الكلاب الذي يخيف صغاري».

واستطرد قائلاً: «سمعنا ليلة أمس صوت تقدم آليات مجنزرة، مما أثار الرعب في قلبي وزوجتي، كيف سنخرج في منتصف الليل وإلى أين وماذا سنحمل؟ كل تلك الهواجح باتت ترهق تفكيري وتطير النوم من عيني لحظة سماعنا لتلك الأصوات، لنتبين بعدها أنها لم تكون سوى تسجيلات من الكواد كابتر».

صدمة الغزيين النفسية قد تلازمهم لسنوات!

وفي السياق، قالت صابرين الشاعر الأخصائية النفسية والاجتماعية، أن «سماع صوت صراخ أو تعذيب يُعد شكلاً من أشكال الصدمة النفسية غير المباشرة».

وفي حديث لـ«الأخبار»، تابعت أنّ «تلك الصدمة تؤثر على الجهاز العصبي وتُحفز استجابة القتال أو الهروب، حتى دون رؤية الحدث، فذلك يؤدي إلى إصابة من يتعرض لتلك الأصوات بتوتر دائم، وأرق، وتسارع ضربات القلب، كذلك الشعور بالعجز والخوف».

ولفتت الشاعر إلى إمكانية تطور اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) لدى المصاب، «خاصة إذا تكرر التعرض لها».

واعتبرت الأخصائية النفسية والاجتماعية استخدام الطائرات المسيرة شكلاً من أشكال الحرب النفسية وله العديد من التأثيرات، منها: إثارة الخوف الجماعي ليلاً، ما يمنع النوم ويضعف الشعور بالأمان، كذلك خلق شعور مستمر بالتهديد، حتى داخل الخيام والمنازل، فضلاً عن تدهور الصحة النفسية الجماعية وزيادة معدلات التوتر والانهيارات العصبية.

أما عن الصدمة غير المباشرة وآثارها النفسية على المدى القصير والطويل، بينت الشاعر أن آثارها قصيرة المدى تتمثل في قلق حاد، صداع، فقدان الشهية، تغيرات في السلوك، كذلك خوف دائم من المجهول، وضعف التركيز.

وأشارت إلى أنّ آثارها على المدى الطويل، تتمثل في اضطرابات النوم المزمنة ومشاكل في الذاكرة والتعليم، مع إمكانية تدهور العلاقات الاجتماعية لدى المصاب.

ولفتت إلى أن الأطفال أكثر هشاشة نفسياً من الكبار، ولذلك فإن تأثير الأصوات التي تصدر عن مسيرات الاحتلال الإسرائيلي تكون لديهم عميقة، ولها تأثيرات مختلفة، منها ما هو على المدى القريب ، كالبكاء المتكرر، والتبول اللاإرادي، والكوابيس، والتمسك المفرط بالأهل، بالإضافة إلى ضعف التحصيل الدراسي والسلوكي.

أما على المدى البعيد، فيمكن أن يصاب الطفل بالخوف المرضي من الأصوات أو الليل، أو الانطوائية أو السلوك عدواني، كما يمكن الإصابة باضطرابات قلق مزمنة أو اكتئاب في مراحل لاحقة من العمر.

ونوّهت إلى أنه مع تكرار حوداث الخوف وتنوع أساليبه المرعبة خلال هذه الحرب «الدموية»، فإن أجيال عديدة ستعاني من صدمات نفسية وصرعات سلوكية في مراحل العمر المختلفة.

وأكدت الشاعر أنه في حال لم يتم علاج تلك الصدمات مبكراً، «ستنشأ أجيال فاقدة للكثير من الأمن والآمان والثقة ومفهوم الاستقرار النفسي والاجتماعي، خصوصاً في ظل انعدام الغذاء والتعليم والسلام والراحة والخصوصية داخل غزة ككل وخيام النزوح على وجه الخصوص».

هداية محمد التتر-الاخبار اللبنانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى